هل نجحت قناة الحرة بتبييض صورة أمريكا لدى المواطن العربي؟
حرصت الدول القوية مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، على تعزيز مكاناتها العالمية وتمرير أجنداتها السياسية من خلال انفاق مليارات الدولارات على مشاريع إعلامية مثل إنشاء قنوات تلفزة دولية ومحطات إذاعية ومواقع انترنت، لتضمن تأثيرها على الشعوب الأخرى. ومع ذلك، فإن الكثير من هذه المشاريع التي يمكن وصفها بمحاولات إنشاء علاقات دبلوماسية مع العامة، فشلت في أن تجد لها آذاناً صاغية.
أكبر مثال على هذه التوجهات ما قامت به حكومة الولايات المتحدة الأمريكية حينما أنفقت ما يقارب المليار دولار منذ تأسيس قناة الحرّة الناطقة باللغة العربية عام 2004 عقب غزوها للعراق حتى تاريخ هذا اليوم.
ورغم أن نفقات هذا المشروع شكلت أكبر ميزانية في تاريخ الإعلام الموجّه للخارج. ومنذ اللحظة الأولى حين جُعل مقرّ القناة في سبرينغفيلد في ولاية فرجينيا، تلقّت القناة موجات من الانتقادات اللاذعة، ومن ضمنها انتقادات من قبل المواطن الأمريكي، دافع الضرائب، الذي رأى في هذا المشروع هدراً للمال العام، وأنه أحقّ بهذا المال الذي حسب رأيه كان يفترض أن ينفق على مشاريع خدمية تنهض بالمستوى المعيشي للمواطن محلياً بدلاً من الانفاق تحت بند ادعاء دمقرطة دول العالم الثالث.
لم يكن لقناة الحرّة السبق الإعلامي منذ نشأتها وحتى هذا التاريخ سوى أنها كانت أول قناة أذاعت نبأ تنحّي الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن كرسي السلطة عقب الانتفاضة الشعبية المصرية الأخيرة، إذ خدمتها الظروف حينما منعت سلطات مبارك قناة الجزيرة من ممارسة نشاطاتها الإعلامية.
سبب إنشاء قناة الحرّة كان مثار اهتمام كثير من الجهات الإعلامية والسياسية، وبالتالي خضعت قناة الحرّة منذ عام 2008 لعدة تحقيقات مختلفة حول سبب إنشاءها، ومن ضمن تلك التحقيقات، تحقيق بثّه البرنامج التلفزيوني الناجح ستون دقيقة، كما اهتمت بأسباب نشأة القناة بعض الجامعات مثل جامعة جنوب كاليفورنيا، إضافة إلى لجنة السياسات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، وغيرهم.
قال "فيليب سيب" مدير مركز الدبلوماسية العامة في جامعة جنوب كاليفورنيا والباحث الرئيسي في تقرير نشر عام 2008 حول السبب الحقيقي لإنشاء قناة الحرّة : "الهدف من تأسيس قناة الحرّة حسب الرواية الرسمية، كان الادعاء بأن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول التواصل مع المواطن العربي، لكن السبب الحقيقي هو أن الولايات المتحدة الأمريكية أرادت أن تنافس قناة الجزيرة التي كانت تعتبرها مصدر بث إعلامي عدائي. خصوصاً في ذلك الوقت، بعد غزو القوات الأمريكية للعراق. إذ كانت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتوجيه رسائلها عبر القناة للعراقيين. إضافة إلى أنه نتيجة لاحتلال العراق، كانت جميع الشعوب العربية تنظر نظرة عداء تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، وكان هناك شعور لدى الولايات المتحدة بأن قناة الجزيرة هي التي تؤجج مشاعر العداء ضدها، فجاء القرار بضرورة إنشاء مشروع مضاد لقناة الجزيرة".
يرى "سيب" أن هذا القرار كان قراراً سيئاً. لأنه محاولة لمنافسة الفضائية الأكثر شعبية في الشرق الأوسط ( يعني هنا الجزيرة)، بمعنى أنها محاولة لبيع الماء في حارة السقّائين، والقيام بذلك بالاعتماد على قدرات إنتاجية ومهارات صحفية متواضعة لا تكاد تقارن بما لدى قناة الجزيرة من مهنية عالية. لذلك أهدرت الولايات المتحدة الأمريكية مبالغ طائلة من الأموال دون وضع استراتيجية منطقية أو مدروسة لكيفية الوصول إلى قلب المشاهد العربي أو استقطابه، وحسب تعبير سيب الخاص " كان من الغباء محاولة منافسة الجزيرة كندًّ لندّ، كان عليهم محاولة أساليب أخرى. فالمشاهد العربي لديه فضول لمعرفة أشياء عن الولايات المتحدة، عن الحياة والسياسة والنظام فيها، لكن للأسف كان اختيار تطبيق مشروع قناة الحرّة هو قرار سيء".
من الواضح للعيان ودون أدنى شك أن وجود أمريكا في العراق لم يكن من أجل تبنّي الديمقراطية. بل على العكس تماماً، إذ قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتيتيم الديمقراطية، لذلك كان لزاماً عليها محاولة تبييض صورتها وتمرير أجندتها السياسية من خلال الإعلام الناطق بالعربية لتهدئة الغضب العربي. لكن لم يكن من بين المؤسسات الإعلامية العربية من تستطيع التواطؤ مع أمريكا أو التجرؤ






























