إقبال التميمي / مسخرلوجيا تاء التأنيث

الخميس,آذار 27, 2008



إقبال التميمي

23 / 3 / 2008

عندما تم اختيار الأدميرال ويليام جي فوكس ليحل مكان الجنرال جون أبي زيد كرئيس للقيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" في آذار / مارس من العام الماضي 2007 لم يخف كثير من المحللين إعلان رأيهم في سبب هذا التغيير. وجميعهم بلا استثناء تقريباً خرجوا بنفس الاستنتاج الذي يستقرأ أن إدارة بوش في الولايات المتحدة الأمركية لا بد وأنها تستعد لشن حرب على إيران، وأن فوكس هو أنسب رجل للقيام بهذه المهمة. حصل هذا قبل سنة تقريباً من هذا التاريخ.
واليوم وبعد سنة بالضبط قام الأدميرال في البحرية الأمريكية ويليام فالون قائد القيادة المركزية الأمريكية " سنتروم" فجأة بتقديم استقالته أيضاً إثر مقابلة صحفية مثيرة للجدل أجرتها معه مجلة إسكوايار، على أن يبدأ تقاعده من نفس المنصب في 31 مارس 2008 بعد أيام قليلة، وبناء على ذلك تغيرت مجريات التحليلات والتوقعات السابقة.
فالون كان أول رجل من القوات البحرية يستلم منصب رئيس سينتكوم. الوضع كان كالتالي: الجيش الأمريكي كان يحارب على جبهتين حربين ضاريتين طويلتي المدى، الأولى في العراق والثانية في أفغانستان. إضافة إلى المبالغة بالخوف من خطر تهديدات إيران. فكان الانطباع العام انه يبدو أن هناك حرباً سوف تقوم ضد ايران لا محالة، رغم أنها قد تجري بشكل مختلف عن الحربين المذكورتين آنفاً. وبعد ترديد هذه التحليلات والاستنتاجات على امتداد عام كامل، كتب المحلل السياسي أرنود دي بوتشغريف في 14 مارس / آذار من عام 2007 في موقع الاتحاد الدولي للصحافة أن هناك توقعات لهجمة إيرانية ضد البحرية الأمريكية وبالذات ذكر بوتشغريف في تحليله احتمال أن تضرب إيران ناقلات الأفراد، وناقلات الصواريخ، وقاذفات القنابل للقوات الجوية بي – 2 في قاعدة دييغو غارسيا.
يعتبر الكولونيل فالون رجل ذو خبرة عميقة حيث أنه تبوأ عدة مناصب عليا، كان آخرها قائداً للقوات الأمريكية في المحيط الهاديء منذ فبراير 2005 إلى مارس 2007. رأت فيه إدارة بوش شخصاً يوافق على سياساتها على عكس سابقه أبي زيد الذي كان يلجأ إلى الدبلوماسية لحل المعضلات بدلاً من الحلول العسكرية.
قد تبدو استقالة فالون مؤخراً حدثاً مفاجئاً للكثيرين، إلا أنها في الواقع كانت حركة مدبرة بشكل جيد حسب رأي الكثير من المراقبين للساحة السياسية الأمريكية. المقابلة التي أجرتها معه مجلة إسكوايار صورته على أنه منتقد لاذع لسياسة إدارة بوش المتعلقة بإيران. ووصفته المجلة بأنه العقبة الوحيدة بين الإدارة وبين خطتها الجديدة المتعلقة بالحرب على إيران. علاوة على ذلك صورّت استقالته وطريقة تعامل وزير الدفاع روبرت غيتس مع الاستقالة على أنها أكبر شرخ علني بين أفراد فريق بوش الذين يشرفون على خطة التحضير للحرب مع إيران التي كان يروج لها أنها ستكون الأكبر على الإطلاق كما جاء في تقرير نشر في 12 من مارس أعده كل من بيل وكاثرين كريستيسون المحللان السياسيان الذين عملا سابقاً في الاستخبارات الأمريكية، واللذان يعتبران من أكثر الأصوات احتراماً واللذان قالا في تقريرهما أن غيتس قال علناً أنه له علاقة باستقالة فالون، كما أنه عقب بأن فالون قام بالقرار الصحيح وأنه قبل استقالته قبل أن يستشير بوش بذلك.
استقالة فالون كان فيها جانبين الحلو والمرّ. فمن جهة كانت بمثابة إشارة على استمرار تلاشي الحماس للثقافة العسكرية التي تبناها الموالون للمحافظين الجدد، ومن جهة أخرى كانت إشارة تنذر بالشر وتشير إلى نوايا إدارة بوش في العام الأخير من فترة حكمه. كما قيل أن الأدميرال فالون الذي يبلغ من العمر 63 عاماً، ما كان ليقدم على مثل هذا القرار التاريخي بعد عقود طويلة من الخدمة لو لم يكن متأكداً من أن هناك حرباً على وشك الحدوث. وبما انه من النوع الذي يفكر بالآثار التاريخية بعيدة المدى لمثل هذه الحرب قرر أن لا يكون الشخص الذي سيقوم بسحب الزناد.
وعلى عكس الأجواء السياسية التي سادت في الولايات المتحدة قبل حرب العراق، والتي كانت تحمل طابع التخويف والتلاعب واتهام الخصم بالشر. البيئة السياسية الأمريكية الحالية تتبنى مظهر الرفض للحرب. وما يشجع عليها بشكل كبير هو صبغها بالمصداقية نتيجة أن قادة الجيش أنفسهم هم الذين يتحدثون بإصرار عن رفض الحرب. وبالتأكيد هذه الأفعال تؤدي إلى بناء ضغط ومقاومة من قبل جميع الأطراف لرفض الحرب لأنها ستكون ذات نتائج كارثية.
يقول رامزي بارود الكاتب المعروف الذي نشر كتاب " الانتفاضة الفلسطينية الثانية": أن عمليات الشد والجذب التي ستحدث في الأشهر القادمة ستحدد وقت ومستوى المغامرة العسكرية الأمريكية القادمة ضد ايران. أو حتى إن كانت هذه المغامرة قابلة للتحقق، لأنه حسب قوله قد تحاول الولايات المتحدة إيجاد حل وسط لحماية إسرائيل وذلك عن طريق التدخل في لبنان إلى جانب إسرائيل للقضاء على حزب الله. توقعات رامزي بارود هي مجرد إحدى التوقعات المتوقعة بينما غيره يرى أن بوش لن يعدم الحيلة لاستفزاز إيران أو لإيجاد مبرر لإشعال الفتيل.
في أجواء قتالية تروج للحرب، قد تبدو استقالة فالون على أنها إشارة إيجابية تدل على أنه ليس الجميع مساندون لفكرة الحرب، لكن مع هذا يجب أن لا يفرط المرء في التفاؤل.
في كانون الأول / ديسمبر الماضي كانت تقييمات الاستخبارات الوطنية الأمريكية المكونة من رأي جميع أجهزة الاستخبارات قد خلصت إلى أن إيران أوقفت برنامجها النووي منذ عام 2003، وأن أي برنامج من هذا النوع مجمد حالياً. وفي الوقت ذاته أشيع بعد ذلك بقليل أن هناك قنبلة إيرانية وأن هذه النتيجة وهذا التقييم هو محض هراء. ثم بدأ المرشح الجمهوري للرئاسة السناتور جون ماكين بدأ بتكرار نغمة قنبلة إيران مراراً، وأصدقاء إسرائيل في أمريكا استمروا بالحديث عن الخطر الذي يتهددها نتيجة لوجود " الأسلحة الإيرانية " رغم أن إسرائيل ذات نفسها تمتلك أسلحة نووية وعلى نطاق كبير ومنذ سنوات طويلة. وحسب أقوال بورتشغيف الصديق الحميم للسناتور جو ليبرمان .. فإن إيران تقوم بتهريب المتفجرات إلى داخل العراق، وهذا حسب قوله يستدعي اتخاذ اجراءات انتقامية عسكرية للاقتصاص من ايران. وقال غيره كثيرون أن إسرائيل تواجه أزمة تهدد وجودها، وأحد أهم مخاوفها صاروخ من إيران قد يسقط على تل أبيب أو القدس فيدمر إسرائيل.
رغم ذلك يعلم الجميع أن ليبرمان وغيره من المساندين لإسرائيل ليسوا بحاجة لتبرير القيام بأي حرب لا ضد إيران ولا ضد أي من الدول المعادية لإسرائيل في الشرق الأوسط. وحسب أقوال رامزي بارودي " لقد قاموا بإذكاء الصراعات والنزاعات نيابة عن إسرائيل على امتداد سنوات طويلة، وسيستمرون بفعل ذلك إلى أن يقوم بعض الموالين لإسرائيل داخل الحكومة الأمريكية بالضغط على حكومتهم لتقوم بما يلزم وما يفترض أنه ضمن أولوياتها".
لكن لا يبدو أن الهجمة على إيران مؤكدة كما كانت على العراق لأسباب كثيرة، منها الضغط الشعبي على الحكومة من قبل الناس الذين اكتشفوا حجم كذبة حكومتهم المتعلقة بالحرب على العراق. إضافة إلى أن أمريكا حالياً متورطة بالقتال على جبهتين استنفذتا رجالها وعتادها ودفعت بها إلى استئجار المرتزقة لسد العجز، كما أنها لجأت إلى إذكاء الفتن لتستعين بالأطراف المتنازعة بالقضاء على بعضهم البعض لتخلو لها الساحة ولينشغل الناس بإزهاق أرواح بعضهم لتقلص قيمة خسائرها. لكن على ما يبدو أن إسرائيل ستستمر بافتعال قصص الخوف من مصادر مختلفة حولها مثل إيران، أو لبنان، أو سوريا لتحويل أنظار العالم عن التطهير العرقي الذي تقوم به ضد الفلسطينيين.



لا يوجد تعليق